يشكّل مشروع «مصحف إسطنبول» واحدة من أبرز المبادرات المعاصرة في فنون الكتاب الإسلامي، إذ لا يقدَّم بوصفه مصحفًا مخطوطًا فحسب، بل كعمل متكامل يسعى إلى تلخيص مسار خمسة عشر قرنًا من تطور الخط والزخرفة وصناعة الورق والأحبار في الحضارة الإسلامية، ضمن رؤية واحدة متناسقة. يقوم هذا المشروع على فكرة أن المصحف يمكن أن يكون مرآة لتاريخ الأمة، ليس على مستوى النص الذي ظل محفوظًا دون تغيير، بل على مستوى الشكل الجمالي الذي أحاط به في مختلف العصور والحواضر.
أُنجز هذا المصحف على مدى سنوات طويلة من العمل المتواصل، تحت إشراف الخطاط التركي المعروف حسين قوطلو، وبمشاركة فريق واسع من الخطاطين والمزخرفين والحرفيين في مجالات الورق والأحبار والتجليد. لم يكن الهدف إنتاج نسخة فاخرة جديدة من المصحف وحسب، بل صياغة «أطلس بصري» لتاريخ المصاحف، يتيح للقارئ أن يلمس بعينيه كيف تغيّرت أنماط الكتابة والزخرفة من المدينة المنورة في صدر الإسلام إلى إسطنبول في العصر العثماني وما بعده، مرورًا ببغداد وقرطبة والقاهرة وتبريز ودهلي وغيرها من المراكز العلمية والفنية.
الفكرة الجوهرية التي تميّز «مصحف إسطنبول» هي تقسيمه إلى عشرة أجزاء، بحيث يمثّل كل جزء مرحلة تاريخية وجغرافية محددة من مسار الحضارة الإسلامية. في الجزء الأول، يحضر عصر صدر الإسلام، حيث استُلهمت الروح البصرية من المصاحف المبكرة ومن أجواء المدينة المنورة، مع اعتماد الخط الكوفي المصاحفي وأنماط زخرفية تبتعد عن المبالغة، محافظة على جلال النص ووقاره. يتدرج القارئ بعد ذلك عبر العصور العباسية وما تلاها، ليشاهد انتقال الخط من الكوفي إلى النسخ وأنواع أخرى أكثر سلاسة، وتنامي حضور التذهيب والتوريق والزخارف الهندسية والنباتية.
مع الانتقال إلى المراحل اللاحقة، يأخذ المشروع القارئ في جولة عبر الأقاليم المختلفة، فيقف عند التجربة المغربية والأندلسية بما تميزت به من خط مغربي خاص وتكوينات زخرفية متأثرة بالعمارة المحلية، ثم ينتقل إلى تجارب المشرق في العصور الإيلخانية والجلائرية والتيمورية، حيث بلغ فن التذهيب والتوريق درجات عالية من التعقيد والتناغم بين اللون والخط. كما يُتيح المشروع مساحة للمدرسة الصفوية المعروفة بعنايتها بالمصاحف الفاخرة، قبل أن يصل إلى المدرسة العثمانية التي طوّرت بدورها تقاليد راسخة في نسخ المصاحف وتذهيبها، حتى العصر الحديث.
لم يقتصر الجهد على الخط والزخرفة، بل امتد إلى المادة ذاتها التي حُمِل عليها النص. فقد سعى القائمون على المشروع إلى إحياء تقاليد صناعة الورق والأحبار في العالم الإسلامي، فاستُخدمت أوراق خاصة مُعدّة بعناية، أقرب ما تكون إلى الورق التقليدي المصقول، بما يمنح كل صفحة ملمسًا وبُعدًا بصريًا يحاكي المخطوطات القديمة. كما استُخدمت أنواع من الأحبار والألوان والذهب جرى إعدادها وفق معايير تضمن ثبات اللون وعمقه، وتناسقه مع طبيعة الورق ومساحة الخط والزخرفة.
هذا الحرص على المادة لم يكن تفصيلاً ثانويًا، بل جزءًا من الفلسفة العامة للمشروع، التي ترى أن المصحف ليس نصًا مكتوبًا فقط، بل هو أيضًا تجربة بصرية ولمسية كاملة، تتداخل فيها الحروف مع السطح الذي تستقر عليه، ويتعاون فيها الخطاط والمزخرف وصانع الورق والمجلِّد لإخراج عمل واحد متكامل. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى «مصحف إسطنبول» باعتباره محاولة معاصرة لإحياء منظومة «كتاب المصحف» بوصفه حرفة جماعية تتقاطع فيها عدة فنون وتخصصات.
ومع أن المصحف أُنجز في الأصل بصيغة مخطوطة فاخرة، فإن القائمين عليه عملوا كذلك على تطوير آليات لطباعة نُسَخ مطابقة قدر الإمكان للأصل، مع الحفاظ على طبيعة الورق وخصائص الألوان والذهب. هذا الخيار يفتح الباب أمام إتاحة المشروع لجمهور أوسع من الباحثين والمهتمين بالفنون الإسلامية، بدل أن يظل حبيس الخزائن أو vitrines المتاحف. بذلك يتحول «مصحف إسطنبول» من قطعة فنية نادرة إلى مرجع يمكن الرجوع إليه لدراسة تاريخ الخط والزخرفة والمصاحف في العالم الإسلامي.
يقدّم هذا المشروع أيضًا زاوية قراءة أخرى، تتعلق بالبعد الرمزي والثقافي. فاختيار إسطنبول، المدينة التي كانت عاصمة لآخر إمبراطورية إسلامية كبرى، فضاءً لولادة هذا العمل، يعكس رغبة في تأكيد استمرارية صلة المدينة بدورها التاريخي مركزًا لفنون الكتاب والمصحف. كما أن جمع تجارب الأقاليم المختلفة بين دفّتي عمل واحد يوحي برغبة في إبراز وحدة هذا التراث على تنوّع مدارسه وأساليبه، وتأكيد أن تعدد الأساليب الخطية والزخرفية لا يمسّ وحدة النص القرآني، بل يثري حضوره في الذاكرة البصرية للمسلمين.
من زاوية فنية بحتة، يتيح «مصحف إسطنبول» فرصة نادرة لمقارنة الأساليب المختلفة في معالجة الصفحة القرآنية: كيف وُزّع المتن، كيف رُسمت العناوين، أين وُضعت علامات الوقف والأحزاب والأجزاء، وكيف تَغَيّر حضور الفراغ والكتلة والزخرفة عبر العصور. هذا النوع من المقارنة يمكن أن يخدم الباحثين في تاريخ الفن الإسلامي، كما يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الأجيال الشابة من الخطاطين والمزخرفين الذين يبحثون عن نماذج حيّة يلهمون بها أعمالهم.
يتجاوز «مصحف إسطنبول» كونه مصحفًا جميلًا أو طبعة فاخرة جديدة للنص القرآني، ليصبح مشروعًا بحثيًا وفنيًا في آن واحد، يستعيد الذاكرة البصرية للمسلمين عبر قرون طويلة، ويضعها في عمل واحد يمكن قراءته قراءة جمالية وتاريخية في الوقت ذاته. إنه أشبه برحلة داخل تاريخ المصحف، حيث يلتقي القارئ بالنص ذاته في كل صفحة، لكنّه يراه في كل مرة بوجه بصري مختلف، يعكس عصرًا بعينه ومكانًا بعينه، دون أن يُغيّر شيئًا من جوهره الثابت.



