السجال الديني بين الإسلام والمسيحية عبر المتوسط: مراسلات ليو الثالث وعمر بن عبد العزيز نموذجًا

أضيف بتاريخ 02/11/2026
دار سُبْحة

 

مثّل كتاب «السجال المتوسطي في العصور الوسطى: مراسلات ليو الثالث وعمر بن عبد العزيز» إضافة لافتة إلى حقل دراسات الجدل الديني المقارن، من خلال إعادة قراءة نصوص جدلية مبكرة شكّلت إحدى أقدم صور الحوار/المواجهة اللاهوتية بين الإسلام والمسيحية في فضاء البحر المتوسط. صدر الكتاب عن معهد دراسة الثقافات القديمة بجامعة شيكاغو، ضمن سلسلة تعنى بتاريخ الشرق الأدنى الإسلامي في العصور القديمة المتأخرة والوسيطة، ويقدّم تحقيقًا نقديًا لمجموعة من المراسلات المنسوبة تخييليًا إلى الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث والخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، بما يكشف عن طبقات معقّدة من التفاعل النصي والعقائدي بين الضفتين.



يركّز العمل على المرحلة الوسيطة بوصفها لحظة حاسمة في ازدهار التصوف والفكر الديني في المغرب والمشرق معًا، ولكن من زاوية مغايرة هذه المرة: زاوية السجال عبر المتوسط. فالمراسلات التي يتناولها الكتاب لم تُكتب –كما يوضح المحررون– لتوثيق مراسلة سياسية فعلية بين حاكمين، بل صيغت في إطار أدبي–لاهوتي يهدف إلى الإقناع والاحتجاج وبناء الهوية الدينية في مواجهة الآخر. لهذا السبب أُلبست هذه النصوص أسماء شخصيات سياسية كبرى لإضفاء سلطة رمزية عليها، وتحويلها إلى أدوات حجاج تحمل ثقل الإمبراطور والخليفة في آن واحد.

ينطلق الكتاب من نقد الفرضية التي تعاملت مع هذه الرسائل بوصفها وثائق تاريخية مباشرة، ليؤكد أنها نصوص «وظيفية» أعيدت كتابتها وتداولها عبر قرون، وانتقلت بين لغات عدّة: من العربية (الإسلامية والمسيحية) إلى اليونانية فاللاتينية فالأرمنية، مع إشارات إلى تقاليد سريانية وألخميادو لاحقة. هذا التعدد اللغوي لا يُقرأ هنا كتشوّش، بل كمعطى بنيوي: كل نسخة تعكس سياقًا لاهوتيًا وسياسيًا خاصًّا، وتحمل بصمة الجمهور الذي وُجّهت إليه، سواء في المشرق الأموي، أو الأندلس، أو أرمينيا، أو أوروبا اللاتينية.

يحتلّ القرآن الكريم موقعًا مركزيًا في تحليل هذه النصوص. فالحجج المنسوبة إلى عمر بن عبد العزيز تقوم على استدعاء آيات قرآنية، خصوصًا من سورة آل عمران، لمناقشة طبيعة المسيح، ونقد عقيدة التثليث، وترسيخ مفهوم التوحيد. لا يتعامل الكتاب مع هذه الاقتباسات بوصفها استشهادات عابرة، بل بوصفها بنية عميقة تنظّم الخطاب الإسلامي في هذه المراسلات، وتمنحه قوة حجاجية من داخل المرجعية النصية الأولى للمسلمين.

في المقابل، يكشف الكتاب عن حضور مبكر للقرآن في الفكر المسيحي الجدلي؛ إذ تظهر في بعض النسخ اقتباسات مباشرة من القرآن، أو إعادة صياغة لمعانيه، أو ردود تبني حججها على فهم بنية النص القرآني ومقولاته. هذه المعطيات تراجع الصورة النمطية التي تفترض أن البيئات المسيحية الأولى كانت «جاهلة» بالقرآن، وتبيّن أن النص القرآني كان، منذ القرون الأولى، جزءًا من المادة التي يتداولها اللاهوتيون في سجالاتهم حول النبوة والوحي والكتاب.

إحدى أهم الزوايا التي يعتمدها الكتاب هي النظر إلى الجدل الديني لا باعتباره مواجهة ثنائية منغلقة بين الإسلام والمسيحية، بل فضاءً متعدّد الأصوات تشترك فيه تقاليد يهودية ومسيحية شرقية وسريانية، وتتقاطع داخله قنوات الترجمة والشفاهة والاقتباس. بهذا المعنى، يتحول البحر المتوسط إلى حقل تداول فكري كثيف، تُعيد فيه النصوص إنتاج نفسها مع كل عبور لغوي أو جغرافي.

كما يتجاوز العمل هاجس البحث عن «نص أصلي» واحد لهذه المراسلات، ليدافع عن فكرة أن تعدّد النسخ واختلافها جزء من طبيعة هذا الأدب الجدلي. فكل إعادة كتابة تمثّل عملية تكييف للخطاب مع رهانات جديدة: جمهور مختلف، خصوم جدد، أو سياق سياسي ولاهوتي متحوّل. بذلك، يصبح النص فضاءً مفتوحًا لإعادة التأويل، لا وثيقة جامدة يُقاس كل شيء عليها.

في المحصلة، يوفّر «السجال المتوسطي في العصور الوسطى: مراسلات ليو الثالث وعمر بن عبد العزيز» إطارًا نظريًا وعمليًا لفهم تشكّل الجدل الديني المبكر، وتداخل السياسة والعقيدة، والدور الذي لعبته النصوص الجدلية في بناء الهويات الدينية المتقابلة بين الإسلام والمسيحية. وهو يقدّم، في الوقت نفسه، نموذجًا لكيفية مقاربة القرآن خارج السياق الإسلامي الضيق، بوصفه نصًا فاعلًا في الثقافة المتوسطية الوسيطة، وأحد مفاتيح قراءة تاريخ العلاقات بين الضفتين بعيدًا عن السرديات التبسيطية أو الصدامية.