تكشف المصاحف السلطانية السعدية عن وجهٍ بديع من وجوه الثقافة المغربية في العصر السعدي، حيث تزاوجت رعاية السلاطين للقرآن الكريم مع ازدهار فنون الخط والتزويق في سياق سياسي وعلمي متوتر لكنه خصب بالإنتاج. فقد حرص السعديون على نسخ مصاحف خزائنية خاصة بسلاطينهم وأمرائهم، تميّزت بدقة الضبط، ورصانة الخط المغربي، وغنى الزخرفة، غير أنّ ما وصلنا منها اليوم لا يتجاوز أربع نُسخ رئيسية موزّعة بين المغرب وبريطانيا وإسبانيا.
أول هذه النسخ مصحف الأميرة الست مريم بنت السلطان محمد الشيخ السعدي المحفوظ بالمكتبة الوطنية بالرباط، وقد نُسخ في فاتح شعبان سنة سبعٍ وستين وتسعمائة هجرية، بخط مغربي مبسوط وعلى أوراق امتازت بعناية زخرفية تليق بخزانة أميرة شريفة النسب. يليه مصحف الأمير محمد بن عبد القادر، الوزير السابق للسلطان عبد الله الغالب، والمحفوظ بالمكتبة نفسها، وقد نُسخ أوائل رمضان سنة ثمانٍ وستين وتسعمائة بخط مغربي تونسي مبسوط، ما يعكس تلاقحاً بين المدارس الخطية المغاربية.
أما المصحف الثالث فهو مصحف السلطان أبي محمد عبد الله الغالب، المحفوظ اليوم في المكتبة البريطانية، والمنسوخ أوائل رمضان سنة خمسٍ وسبعين وتسعمائة برسم خزانته السلطانية. وتُبرِز صياغة الكولوفون فيه حضور الألقاب الشرفية والانتساب الحسني، بما يربط بين شرعية الحكم وخدمة كتاب الله. ويأتي رابعاً مصحف السلطان أحمد المنصور الذهبي، الذي اكتمل نسخه بجامع قصر البديع بمراكش في الثالث عشر من ربيع الثاني سنة ثمانٍ بعد الألف، وهو اليوم ضمن رصيد مكتبة الإسكوريال؛ وقد نُفّذ بخط مغربي مبسوط منمّق يشي بمستوى رفيع من الاحتراف الفني يوافق هيبة البلاط المنصوري.
تتشارك هذه المصاحف في مجموعة من الخصائص الفنية: اعتماد الخط المغربي المبسوط (وأحياناً التونسي) مع حروف واضحة وأحجام متوازنة، توسّع مدروس في التذهيب، زخارف نباتية وهندسية مستمدة من الإرث الأندلسي والمغاربي، وعناية خاصة بالصفحات الافتتاحية وألواح السور والأحزاب. كما تحمل كولوفوناتها بصمة الخزانة السلطانية من خلال ذكر أسماء السلاطين والأمراء وألقابهم، ما يحوّلها إلى وثائق سياسية-حضارية بقدر ما هي مصاحف للعبادة.
إن ندرة هذه النسخ السلطانية، مقابل ما نعرفه من كثافة الإنتاج العلمي والفقهي في العصر السعدي، تفتح أسئلة بحثية حول مصير مصاحف أخرى ربما فُقدت أو ما تزال مبثوثة في خزائن خاصة أو مجموعات غير مفهرسة. ومع ذلك، فإن النماذج الأربع المتاحة اليوم تكفي لرسم ملامح «مدرسة سعدية» في المصاحف: مدرسة تُجسّد تداخلاً بين سلطة النصّ وسلطة السلطان، وتقدّم المصحف بوصفه تحفة فنية وخزانة رمزية للهوية الدينية والسياسية للدولة الشريفة في أوج حضورها المغاربي والأفريقي.


