أُعلن عن صدور الجزء الأول من موسوعة “منظومة القيم الكونية في القرآن الكريم”، وهي ثمرة عمل سنوات بإشراف خالد الصمدي، كاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، وبمساهمة ستة عشر باحثا من المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية بالرباط. يأتي هذا المشروع في صيغة ورقية ورقمية؛ إذ أتيح للقراء الاطلاع رقميا على الوثيقة المنهجية التي ترسم الإطار المعرفي والتطبيقي للقيم القرآنية بوصفها رافعة للتعايش وتنظيم المشترك الإنساني، مع استحضار اختلاف المعتقدات والاختيارات الفكرية والسلوكية.
يضم فريق العمل إلى جانب المشرف العلمي كلا من المدير التنفيذي السعيد الزاهري، وسعيد ملاوي، والحسان شهيد، وهشام تهتاه، والخلافة متوكل، وعبد الرحيم البطيوي، وإدريس بحوت، وأحمد بوعبدلاوي، ومراد الرابط، وعبد الجليل البكوري، وزكية مازغ، ومحمد سعيد الدحروش، ورشيد البقالي، ومصطفى الصوفي، والحسن الحجامي، وعبد الرحمن بودراع. ويستند هذا الجهد الجماعي إلى قراءة منهجية للقرآن الكريم والبيان النبوي، بغرض استخراج نسق قيم كوني قابل للتفعيل في الواقع المعاصر.
تأتي الموسوعة استجابة لتحول عميق يعيشه العالم المعاصر حيث تلاشت الحدود التقليدية السياسية والاجتماعية والثقافية بفعل التقنيات الرقمية وشبكات الاتصال، وتزايد الاحتكاك المباشر بين الأديان والثقافات والأعراق دون حاجة إلى التنقل. هذا الواقع يستدعي إعادة نظر في ثنائيات شائعة مثل الهوية والانفتاح، والخصوصية والعالمية، والذات والآخر، بعدما صار “الآخر” جزءا من المجال اليومي للفرد والجماعة. وفق هذا المنظور، لا يكفي تحصين الذات بتأكيد الخصوصيات؛ بل يلزم ترسيخ القدرة على التعايش، والبحث عن المشترك، وتدبير الاختلاف بما يخدم السلم الاجتماعي ويحد من قابلية النزاعات للاشتعال.
يقدم الجزء المعنون بـ“الوثيقة الناظمة” الأساس النظري للمشروع، باعتباره نسقا منهجيا يستند إلى مصدر جامع هو القرآن الكريم والسنة النبوية، وإلى قواعد عامة ضابطة وتصور واضح لكيفية الاستثمار العملي لهذا النسق. وتنطلق الوثيقة من حاجة ملحّة إلى استجلاء الخريطة المرجعية للمفاهيم التأسيسية في القرآن لتكون معيارا للتقييم وتشخيص الأعطاب الفكرية، كما تكون منطلقا لبناء رؤية فكرية جديدة تُنَزَّل تطبيقيا قبل الانتقال إلى مشاريع إصلاحية محددة في الزمان والمكان والمجال.
يعالج المشروع تحديا تراكميّا: اختلال التوازن بين تأسيس نظري راسخ وبين ممارسات عملية تستوعب التحولات التاريخية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومع انحسار الاجتهاد القادر على توليد فكر يجدد القراءة الواعية للوحي ويستنير بحكمة التجارب الإنسانية، تُطرح الحاجة إلى تأطير مفاهيمي يقود إلى ممارسة اجتماعية واقتصادية وثقافية تُفعّل مقاصد القيم القرآنية في سياق عالمي متداخل.
تطمح الموسوعة إلى تمكين الفاعلين من أدوات تشخيص الأعطاب المفاهيمية بمنهجية علمية تفضي إلى نتائج قابلة للاعتماد، وإلى بناء مشاريع إصلاح فكري ونماذج عملية في التربية والاجتماع والاقتصاد والحقوق والصحة والبيئة. وترتكز المقاصد على صياغة خطاب جامع يعزز الخصوصيات الدينية والحضارية ويستوعب التعدد والتنوع، وإبراز رؤية للإنسان والعالم والمصير تُعامل الكون فضاءً للعيش المشترك لا ميدانا للإقصاء، مع تنمية كفاءات تواصلية رفيعة في الجدل والحوار لتوسيع دائرة المشترك الإنساني ضمن سنة التدافع التي تحقق التوازن.
يتخذ العمل بعدا مؤسسيا بشراكة بين المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية بالرباط والمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، مع مقصد مُعلن يتمثل في الإسهام الرشيد في مسار الإصلاح الفكري داخل الأمة الإسلامية، عبر تجديد الذات والتفاعل الإيجابي مع المحيط، وبناء خطاب رحمة وائتلاف يتوجه إلى العالمين. بهذا المعنى، تسعى “القيم الكونية” المستخلصة من القرآن الكريم إلى أن تكون إطارا عمليا للتواصل بين الهويات المختلفة، مستندة إلى قواعد إنسية كبرى وسنن كونية جامعة تجعل من المشتركات أساسا للتعارف والتعاون.
تؤكد الوثيقة أن الهوية الحضارية الإسلامية قادرة، حين تتوازن بين تقوية الذات ومد جسور الحوار، على حماية خصوصيتها من الذوبان بفعل قوة ذاتية قوامها المقاصد والقواعد الكلية، شريطة أن تصاحب هذا التأسيس حركة اجتهادية تحليلية تقرأ التحولات قراءة متجددة وتستثمر الخبرات الإنسانية إنتاجا للحكمة. ومن هنا تتبلور أهمية تحويل “منظومة القيم الكونية” من إطار مرجعي نظري إلى بوصلة عملية تهدي السياسات العمومية والمبادرات المدنية نحو تعايش فعّال يخفف من توترات القرنَين الأخيرين ويعيد ترتيب الأولويات حول كرامة الإنسان وصيانة البيئة والعدل الاجتماعي.


