مصحف برايس المصغّر نموذج مبكر للطباعة الدقيقة للقرآن الكريم

أضيف بتاريخ 02/17/2026
دار سُبْحة

>

يمثّل مصحف برايس المصغّر الصادر في مدينة غلاسكو نحو عام 1900م عن دار النشر البريطانية «David Bryce & Sons» شاهدًا مميزًا في تاريخ طباعة المصاحف صغيرة الحجم. أُنتج هذا المصحف بتقنية الطباعة الحجرية المنقولة عن مخطوطة قرآنية مؤرخة بسنة 1094هـ/1683م، ويبلغ مقاسه نحو 27 × 19 مليمترًا فقط، ما يجعله من أصغر المصاحف المطبوعة الكاملة نصًّا في العالم. حُفظت النسخة الأصلية داخل علبة نحاسية صغيرة تتضمن عدسة مكبّرة مدمجة لتيسير القراءة، في محاولة تقنية مبتكرة لمعالجة مشكلة وضوح النص ضمن المساحة المحدودة التي لا تتجاوز بضعة سنتيمترات.



يُدرَج هذا المصحف ضمن تقليد المصاحف المصغّرة الذي شهد ازدهارًا في أواخر القرن التاسع عشر، خاصة في الهند والدولة العثمانية، غير أنّ إصدار برايس تميّز باتساع توزيعه التجاري وبدقّة تصنيعه العالية. يجمع هذا العمل بين وفائه لمصدر مخطوط قديم وبين توظيفه لوسائل الطباعة الحديثة نسبيًا في زمانه، بما يعكس مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ نشر النص القرآني بين بيئة النسخ اليدوي وعصر الآلة الصناعية الدقيقة. وتدل مواصفاته المادية على عناية استثنائية بالإخراج، إذ طُبع على ورق ناعم بخط عربي مُصغّر بتقنية حجرية حافظت على تفاصيل الحروف والحركات، وجُلّد بجلد مغربي مرن مطبوع بالذهب، ثم أُدرج في حافظة معدنية أنيقة تعد في ذاتها قطعة فنية وجهاز قراءة مصغّر في الوقت نفسه.

كان ديفيد برايس (1845–1923) من أبرز ناشري الكتب المصغّرة في أوروبا، واشتهر بإنتاجه لعناوين كلاسيكية ودينية بأحجام فائقة الصِّغر. ورغم وجود تجارب مماثلة في دلهي وإسطنبول خلال العقود نفسها، فقد تفوّق إصدار غلاسكو بفضل قدرته على الوصول إلى الأسواق العالمية وقابلية اقتنائه كهديّة أو تميمة، كما تشير بعض الروايات إلى أنّ عدداً من النسخ وُزّع على الجنود المسلمين في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى. وقد ساهم هذا الانتشار في ترسيخ مكانة المصحف المصغّر في الذاكرة الثقافية الأوروبية والعربية على السواء، حتى أنّ المؤلف البريطاني توماس إدوارد لورنس (T. E. Lawrence) أشار إليه في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» ضمن وصفه لما سماه «مصحف التميمة المطبوع في غلاسكو»، ما يعكس الحضور الرمزي لهذا النموذج في الأدب الاستشراقي المعاصر له.

يكتسب مصحف برايس المصغّر أهمية خاصة في الدراسات المادية لتاريخ المصحف الشريف، إذ يجسد لحظة التقاء بين النص القرآني المخطوط والبيئة الصناعية الحديثة التي سعت إلى الحفاظ على أصالة الخط العربي ضمن حدود تكنولوجية غير مسبوقة في عصرها. كما يتيح حجم النسخة ونوعها إمكانية دراسة تطوّر مفهوم «المصحف الشخصي» المحمول، ويفتح مجالًا لمقارنة الابتكارات التقنية في الطباعة الدقيقة بالممارسات التقليدية في فنون النسخ والزخرفة الإسلامية. وتؤكد البيانات الببليوغرافية الدقيقة، ومنها عبارة "Lithographed from a manuscript dated 1094 AH"، أنّ المصحف الصادر في غلاسكو ليس نسخة مبتدعة بل إعادة إنتاج واعية لنموذج قديم جرى إحياؤه عبر أدوات الطباعة الحجرية الصناعية.

بفضل هذه الخصائص، يُعد مصحف برايس المصغّر وثيقة مادية شاهدة على طور متقدم في مسار انتقال المصحف الشريف من مجاله المخطوط إلى عالم الطباعة الميكانيكية عالية الدقّة، ويحتفظ بقيمة علمية وجمالية في آن واحد، سواء في سياق التاريخ التقني للنشر أو في دراسة تجسيد النص المقدّس ضمن قوالب مادية جديدة. ومن خلال الجمع بين المرجعية النصية الموروثة والدقة التصنيعية الحديثة، يظل هذا المصحف مثالًا مبكرًا على تلاقي التقليد الإنساني الحروفي مع روح الابتكار الصناعي في خدمة المصحف الشريف.