تحتفظ المكتبة الوطنية للمملكة المغربية في الرباط بمجلّد نادر من مصحف شريف كان في أصله مكوَّنًا من اثني عشر مجلدًا، كُتب بخط مغربي أنيق بمداد فضي على ورق أخضر مصبوغ، ويؤرَّخ بفترة الدولة الوطاسية في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي. يمثّل هذا المجلّد نموذجًا رفيعًا لتحوّل صناعة المصاحف في الغرب الإسلامي من الكتابة على الرقّ إلى الورق الملوّن، مع الحفاظ على تقاليد التذهيب والتزيين التي رسخت منذ العصر المرابطي والموحدي
تُظهر دراسة فنية للقطعة، منشورة في قاعدة بيانات «Discover Islamic Art»، أن كل صفحة تتضمن سبعة أسطر من الخط المغربي المدوّر، كُتبت بحبر فضي سائل على خلفية خضراء داكنة، بينما رُسمت الحركات وعلامات الضبط بالذهب والأحمر والأزرق، وخُطّت عناوين السور وأرقام الآيات بالمداد الذهبي. وتُفصل بين الآيات روزتات مذهَّبة ذات ثماني بتلات، تحيط بها نقطة زخرفية صغيرة، في حين تُعلَّم الآيات الخامسة بعلامة حروف كوفية على هيئة قطرة مضيئة داخل الهامش، في استمرار لتقاليد تجزئة المصحف في المخطوطات المغربية والموحدية المتأخرة.
تُبرز هذه الخصائص أن المصحف من إنتاج ورشة سلطانية أو نخبوية في مرحلة انتقالية من تاريخ الكتاب المغربي؛ فالمادة المستعملة هنا هي الورق، في وقت ظل الرقّ مفضَّلًا لنسخ المصاحف في المغرب والأندلس حتى القرن الخامس عشر، بسبب تأخر صناعة الورق المحلية وسيطرة الورق الإيطالي المستورد على السوق المغاربي. ومع الدولة المرينية ثم الوطاسية أصبح الورق الملوّن (الأخضر، الوردي، المشوب بالحرير) يُستعمل في المصاحف الفاخرة، كما تشير دراسات حول مخطوطات القرآن في المغرب إلى وجود أجزاء أخرى من مصاحف على ورق أخضر ممزوج بالحرير من الحقبة نفسها.
على مستوى الخط، ينتمي هذا المصحف إلى المدرسة المغربية التي طوّرت الخط المبسوط والمجوهر، مع ميل إلى استدارة الحروف واتساع الهوامش، واستخدام ألوان متعدّدة للضبط والزخرفة. وتكشف مقارنة هذا النموذج بما وصلنا من مصاحف مرينية وسعدية لاحقة عن استمرارية قوية في البنية العامة لصفحة المصحف في الغرب الإسلامي، مع إدخال الورق الملوّن والمداد الفضي والذهبي كعناصر تُظهر مكانة النص وقدسيته، وتمنح المصحف وظيفة جمالية وبصرية إلى جانب وظيفته التعبدية
أهمية هذا المجلّد لا تقتصر على فرادته المادية، بل تمتد إلى قيمته في توثيق تاريخ المصحف المغربي وطرائق تلقّيه؛ فهو يبرهن على أن المخطوط القرآني كان مجالًا لابتكار بصري وتقني، وأن الورش المغربية لم تكن منعزلة عن التحولات التي شهدتها حواضر المتوسط في ما يتصل بصناعة الورق والأحبار والزخرفة. كما يقدّم هذا المصحف، المحفوظ اليوم في الرباط، مادة أولية ثمينة للباحثين في تاريخ الفنون الإسلامية والمخطوطات القرآنية، وللدراسات المقارنة التي تسعى إلى رسم خريطة لتطوّر المصحف بين فاس وتلمسان وغرناطة والقاهرة.