يُعدّ مصحف ابن مرزوق واحدًا من أندر المصاحف المخطوطة التي وصلتنا من القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي، وهو شاهد مادي بالغ الأهمية على ازدهار فن كتابة المصحف في الغرب الإسلامي خلال العصر المريني. يحتل هذا المصحف مكانة خاصة بين مخطوطات المغرب الأقصى، سواء من حيث نسبته إلى عالم معروف، أو من حيث قيمته الخطية والزخرفية، فضلًا عن كونه محفوظًا في إحدى أهم خزائن المساجد التاريخية، وهي مكتبة الجامع الكبير بتطوان.
ينسب المصحف إلى أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العُجيسي التلمساني (ت 781هـ / 1379م)، أحد كبار علماء المالكية وخطباء العصر المريني. اشتهر ابن مرزوق بسَعة علمه وتولّيه الخطابة والتدريس، غير أن هذا المصحف يكشف جانبًا آخر من شخصيته، يتمثل في تمكنه من صناعة الخط وضبط كتابة القرآن الكريم، وهو أمر لم يكن شائعًا بين العلماء إلا عند من جمعوا بين العلم والفن.
ينتمي المصحف إلى البيئة العلمية والفنية لتلمسان والمغرب الأقصى في ظل الدولة المرينية، وهي فترة عرفت نهضة كبرى في نسخ المصاحف، سواء من حيث العناية بالنص القرآني أو من حيث تطوير الخطوط والزخارف. وكانت تلمسان وفاس وتطوان فضاءات متداخلة ثقافيًّا، تنتقل بينها المصاحف والعلماء، ويُرجَّح أن المصحف كُتب في هذا السياق الحضاري المشترك، الذي امتزجت فيه التقاليد الأندلسية بالخصوصية المغربية.
كُتب مصحف ابن مرزوق بخط مغربي أندلسي رصين، يتسم بانتظام الأسطر وتوازن الكتل الكتابية، ووضوح الحروف واستدارتها مع امتداد أفقي محسوب، والتزام صارم بقواعد ضبط الرسم والوقف. ويُظهر المصحف وعيًا عاليًا بوظيفة الخط، إذ لم يكن الهدف زخرفيًّا فحسب، بل خدمة التلاوة والحفظ، وهو ما يعكس الخلفية العلمية للناسخ.
أما الزخرفة، فلا تقل أهمية عن الخط؛ إذ نجد إضاءات ذهبية في رؤوس السور، وعلامات مميزة للأحزاب والأجزاء، وزخارف هندسية ونباتية منضبطة بعيدة عن الإفراط. وتكشف هذه العناصر عن انتماء المصحف إلى مدرسة مغربية أندلسية ناضجة، حيث تتكامل الزخرفة مع النص دون أن تطغى عليه، في انسجام مع قدسية المصحف ووظيفته التعبدية.
يُحفَظ المصحف اليوم في مكتبة الجامع الكبير بتطوان، وهي من أقدم وأهم خزائن المخطوطات في شمال المغرب. وتُعرف هذه المكتبة باحتضانها لمخطوطات نفيسة ظلّت قرونًا بعيدة عن التداول، ما أسهم في سلامة حالتها المادية نسبيًّا. ووجود مصحف ابن مرزوق ضمن هذه الخزانة يبرز الدور المركزي للمساجد الكبرى في حفظ التراث القرآني.
أُعيد التعريف بالمصحف في القرن العشرين ضمن جهود إحياء التراث المخطوط المغربي؛ حيث أشار إليه عدد من العلماء والباحثين وعدّوه من نفائس المصاحف المخطوطة. وتُوِّج هذا الاهتمام بنشر تعريف خاص به في مجلة تراثية مغربية، مرفق بصور توثيقية كشفت للباحثين لأول مرة عن جمالياته الفنية وقيمته التاريخية.
تكمن أهميةمصحف ابن مرزوق في كونه مصحفًا منسوبًا إلى عالم معروف بالاسم والنسب، ونموذجًا متكاملًا لفن المصحف في العصر المريني، وشاهدًا على تداخل العلم والكتابة والفن في شخصية العالم المسلم، ووثيقة مادية تسهم في دراسة تاريخ النص القرآني في الغرب الإسلامي.
ليس مصحف ابن مرزوق مجرد أثر محفوظ، بل هو «نص بصري» مقدّس يحمل في طياته تاريخ العلم والخط والتديّن في المغرب الأوسط والأقصى. إن إعادة تسليط الضوء عليه تمثّل خطوة أساسية نحو إعادة الاعتبار للمصاحف المغربية بوصفها مصادر أولية لفهم تاريخ الحضارة الإسلامية في الغرب الإسلامي.
كُتب المصحف بخط مغربي أندلسي يجمع بين وضوح النسخ ورصانة الكوفي، وهو أسلوب كان سائدًا في مصاحف المغرب والأندلس خلال القرن الثامن الهجري. وتتميّز صفحاته بحبر داكن متوازن، وتوزيع دقيق للأسطر، مع إضاءات ذهبية في رؤوس السور وعلامات واضحة للأحزاب والأجزاء.
ظل المصحف محفوظًا في خزائن الجامع الكبير بتطوان إلى أن كشف عنه الوزير ابن موسى المراكشي في القرن العشرين ضمن جهوده في إحياء التراث المخطوط المغربي. كما أشار إليه الفقيه محمد بوخبزة في سياق حديثه عن نفائس المخطوطات، والمؤرخ محمد المنوني (ت 1999م)، أحد أبرز المتخصصين في فهارس المخطوطات المغربية.
نُشر تعريف علمي موجز بالمصحف في العدد 120 من مجلة «الزقاق» (1444هـ / 2023م)، وهي مجلة تراثية مغربية تُعنى بتحقيق النصوص والمخطوطات، وقد وصفت المصحف بأنه قطعة فنية نادرة تمثل ذروة فن المصحف في شمال المغرب. كما أُعيد تسليط الضوء عليه عبر منصات التواصل، خاصةً منشور الباحث في التراث عبد الله التوراتي على منصة «إكس» بتاريخ 15 يناير 2024، الذي ساهم في لفت انتباه جمهور أوسع إلى هذه النفيسة القرآنية.